رمضان.. أيام معدودات تمضى كلمح البصر

السبت، 21 فبراير 2026 01:12 م
رمضان.. أيام معدودات تمضى كلمح البصر
هيثم صلاح الدرس

مع كل عام يطل علينا شهر رمضان حاملا نسماته الروحانية، فتتبدل ملامح الحياة، وتخفت ضوضاء الأيام أمام صوت القرآن ودعوات الصائمين.
 
أكثر ما يلفت القلوب فى هذا الشهر الكريم، أنه، كما وصفه القرآن الكريم، «أيامًا معدودات»، قال تعالى فى كتابه الكريم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)، أى أيام قليلة فى عددها، عظيمة فى أثرها، تمضى سريعًا، فالشهر الذى ننتظره بشوق طويل، ليس فى حقيقته إلا أيامًا قليلة، وما بين بدايته ونهايته، تنقضى الأيام كحبات عقد انفرطت سريعًا، حتى ليخيل إلى المرء، أن الهلال ما أشرق إلا ليعلن وداعه.
 
ويزيدنا القرآن الكريم بيانًا لفضل هذا الشهر، فيقول: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَان)، فهو شهر القرآن، شهر الهداية والنور، شهر تتنزل فيه السكينة، وتخشع فيه القلوب، وتصفو فيه الأرواح. وما بين تلاوة وخشوع، وقيام ودموع، ينقضى الزمن كأنما يسابقنا، وكأن الأيام تتسرب من بين أيدينا فى هدوء.
 
الاستعدادات لهذا الشهر تبدأ قبيل قدومه بأيام، تمتلئ الأسواق، وتتزيّن الشوارع، وتتردد عبارات التهنئة. ثم يُعلن ثبوت الهلال، فتدب الحياة فى البيوت وتمتلئ المساجد بالمصلين، وتتردد آيات القرآن فى الأسحار، وتزداد موائد الرحمة سخاءً وعطاءً. ويجتمع الناس على موائد الإفطار.
 
ومع مضى الأيام، يشعر الناس بأنهم أقرب إلى بعضهم البعض. تتجدد صلات الرحم، وتنتعش أعمال الخير، وتصفو النفوس من شوائبها. يشعر الصائم بأن الزمن فى رمضان مختلف؛ حيث يعيش يومه بين عملٍ وعبادة، النهار يمضى بين عمل وصبر، والليل بين صلاةٍ وقيام، ومع هذا الانشغال الروحى، تتقلص المسافات الزمنية، وكأن الساعات تفقد ثقلها المعتاد.
 
وفى العشر الأواخر، يشتد السباق طلبًا لليلة عظيمة، ليلة القدر، ليلة واحدة، تفوق فى فضلها سنوات طويلة، قال الله عنها: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ). يسابق المؤمنون الساعات طلبًا لهذه الليلة، ويحرصون على اغتنام ما تبقى من الأيام المعدودات، فكيف لا تمضى الأيام مسرعة، ونحن نعيش لحظاتٍ تساوى أعوامًا؟
 
ثم يأتى الختام، ويطل هلال العيد، فيختلط الفرح بالحزن. نفرح بإتمام الصيام، ونحزن على فراق الشهر الذى كنا نعد له الأيام.
 
وهكذا يمضى رمضان كل عام سريعًا، كأنه ضيف عزيز، يزورنا أيامًا قليلة، ثم يرحل، تاركًا فى القلوب أثرًا لا يُمحى.
 
ولعل أعظم ما نتعلمه من رمضان، أن الزمن الحقيقى ليس فيما نملكه من وقت، بل فيما نملؤه من طاعة وخير. وأن العمر ليس بطوله، بل ببركته. وأن الزمن نعمة، واغتنامه هو الفوز الحقيقى. وأن الأيام مهما كانت معدودات، يمكن أن تحمل فى طياتها خيرًا يعادل عمل سنين طوال، فمن أحسن اغتنام رمضان، فقد ربح العمر كله، ولو كان فى ظاهره أيامًا قليلة.
 
نحمد الله أن بلغنا الصيام، ونسأله القبول والغفران.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق